السيد حيدر الآملي
285
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
إذا حملنا على مطلق النوع كان المراد أنّه جبل منها الصّورة الإنسانيّة بوسائط من صور ترددت في أطوار الخلقة كما قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناه ُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ [ سورة المؤمنون : 12 - 13 ] . فالصورة الإنسانيّة جبلت من النطفة المتولَّدة من فضل الهضم الرابع المتولَّد من الأغذية ، وهي إمّا حيوانيّة أو نباتيّة ، والحيوانيّة تنتهي إلى النباتيّة ، والنباتيّة إنّما تتولَّد من صفو الأرض والماء وهي التربة المستعدة للإنبات وليس في ذلك مخالفة للظاهر ، فانّ تلك التربة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيّا فصدق عليها ان الصّورة الإنسانيّة جبلت منها . وقوله : « أجمدها حتّى استمسكت وأصلدها حتّى صلصلت » . الضمير في الجملتين راجع إلى الصّورة وما يتعلَّق بها من الأعضاء فالإجماد لغاية الاستمساك راجع إلى بعضها كاللحم والأعصاب والعروق وأشباهها ، والأصداد لغايته راجع إلى بعض آخر كالعظام والأسنان ، وإسناد ذلك إلى المدبّر الحكيم سبحانه لأنّه العلَّة الأولى وإن كان هناك لهذه الآثار أسباب قريبة طبيعيّة كالحارّ الغريزي فإنّه المستعدّ لتحريك الموادّ ويتبعه البرد ليسكنه عند الكمالات من الخلق ، وكالرطوبة فإنّها هي الَّتي تتخلق وتتشكل ويتبعها اليبوسة لحفظ الأشكال وإفادة التماسك . وقوله : « لوقت معدود وأجل معلوم ( وأمد معلوم ) . يحتمل أن يراد به أن لكلّ مرتبة من مراتب تركيب بدن الإنسان وانتقاله في أدوار الخلقة وقتا معدودا يقع فيه وأجلا معلوما يتمّ به ، ويحتمل أن يراد بالوقت المعدود والأجل المعلوم الوقت الَّذي يعلم اللَّه سبحانه انحلال هذا التركيب فيه كما قال تعالى : وَما نُؤَخِّرُه ُ إِلَّا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ [ سورة هود : 104 ] . قوله : « ثمّ نفخ فيها من روحه » . أقول : الضمير المؤنّث راجع إلى الصورة ، وقد علمت أنّ هذه الإشارة جارية في القرآن الكريم كما قال تعالى :